![]() |
التعليم من منطلق نهضة الأمم
رؤية قرآنية ونبوية وعلمية إسلامية
مقدمة: التعليم مفتاح النهضة
هل يمكن لأمة أن تنهض بلا علم؟ وهل يستطيع مجتمع أن يبني حضارته دون أن يضع التعليم في قمة أولوياته؟
الحقيقة أن الجواب واضح: نهضة الأمم لا تبدأ بالبناء المادي ولا بالصناعة وحدها، وإنما تبدأ ببناء الإنسان. والإنسان لا يُبنى إلا بعقله وروحه، أي بالتعليم والتربية.
لقد جعل الإسلام التعليم عبادةً وواجبًا، وطريقًا للتقوى ووسيلة للرفعة. وليس غريبًا أن تكون أول كلمة نزلت من القرآن هي أمر مباشر بالقراءة، أي مفتاح العلم:
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ (العلق: 1)
هذه البداية الربانية تؤكد أن أي نهضة حقيقية تبدأ من العلم، وأن أمة بلا تعليم هي أمة بلا مستقبل.
أولًا: التعليم في القرآن الكريم
العلم وسيلة للرفعة
جعل الله تعالى العلم ميزانًا يرفع به عباده المؤمنين، فقال سبحانه:
﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ (المجادلة: 11)
هذه الآية تُظهر أن التعليم ليس مجرد وسيلة للوظيفة أو الكسب، بل هو طريق للكرامة والرفعة في الدنيا والآخرة.
العلم والخشية
كما بيّن الله أن من صفات العلماء أنهم أكثر الناس خشية لله:
﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ (فاطر: 28)
فالعلم الحقيقي هو الذي يقود صاحبه إلى التقوى، لا الذي يحصره في حروف جامدة أو معلومات نظرية.
التعليم كطريق للهداية
القرآن وضع التعليم في صميم العبادة، ليكون طريقًا للهداية وبصيرة في الدين والدنيا. فالمتعلم الواعي يعرف كيف يعبد ربه بحق، وكيف يعمر الأرض بعدل.
ثانيًا: مكانة التعليم في السنة النبوية
طريق إلى الجنة
قال رسول الله ﷺ:
"من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة" (رواه مسلم)
هنا نرى أن العلم ليس فقط أداة دنيوية، بل وسيلة للآخرة أيضًا.
العلم فريضة على الجميع
جاء في الحديث الشريف:
"طلب العلم فريضة على كل مسلم" (رواه ابن ماجه وصححه الألباني)
لم يُخصص النبي ﷺ طلب العلم بجنس أو طبقة اجتماعية، بل جعله فرضًا على الرجال والنساء، الفقراء والأغنياء.
العلم صدقة جارية
قال ﷺ:
"إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث... أو علم يُنتفع به" (رواه مسلم)
وهذا يرسّخ أن التعليم استثمار أبدي، يبقى أثره بعد موت صاحبه، فالعالم يعيش بعلمه حتى بعد رحيله.
ثالثًا: أقوال علماء المسلمين في فضل التعليم
الشافعي: العلم خير من النافلة
قال الإمام الشافعي:
"طلب العلم أفضل من صلاة النافلة."
ابن القيم: العلم يرفع والجهل يضع
قال ابن القيم:
"العلم يرفع صاحبه، ولو كان عبدًا حبشيًا، والجهل يضعه، ولو كان سيدًا قرشيًا."
الحسن البصري: الناس موتى إلا العلماء
قال الحسن البصري:
"الناس موتى إلا العلماء، والعلماء نيام إلا العاملين."
هذه الأقوال تكشف أن العلم في التصور الإسلامي ليس مجرد معرفة، بل هو حياة ونور يميز الأمة.
رابعًا: التعليم في التاريخ الإسلامي
المدارس والكتاتيب
في العصور الذهبية للإسلام، ازدهرت المدارس والكتاتيب، وكان العلم حقًا عامًا لكل طفل. وكان المعلمون يتقاضون رواتب من بيت المال، تقديرًا لمكانتهم.
العلماء قادة النهضة
من بغداد إلى قرطبة، ومن القاهرة إلى بخارى، كان العلماء هم قادة النهضة: الفقهاء، والفلاسفة، والأطباء، والفلكيون.
لقد ترجم المسلمون علوم اليونان والهند، وأضافوا إليها إبداعات جديدة، فكانوا رواد العلم لقرون طويلة.
العلم ما نُفع
كان الشافعي يقول:
"العلم ما نُفع، ليس ما حُفظ."
وهذه القاعدة الذهبية تعني أن التعليم لا قيمة له إذا لم يترجم إلى سلوك وعمل وبناء حضارة.
خامسًا: أثر التعليم في نهضة الأمم
الأمة التي تقرأ تتقدم
الأمة التي تُقدّر التعليم، وتستثمر في عقول أبنائها، هي أمة تتقدم في كل المجالات: الاقتصاد، الصناعة، السياسة، الثقافة.
أما الأمة التي تهمل التعليم، فهي تحكم على نفسها بالانحدار والتبعية.
أمثلة من الواقع
-
انظر إلى الدول التي استثمرت في التعليم مثل اليابان وكوريا الجنوبية: نهضتها بدأت من المدرسة والجامعة.
-
وعلى العكس، الدول التي أهملت التعليم صارت في ذيل الترتيب العالمي.
سادسًا: مكانة المعلّم في الإسلام
المعلمون ورثة الأنبياء
قال ﷺ:
"إنما بعثت معلمًا" (رواه ابن ماجه وصححه الألباني)
إذن الأنبياء أنفسهم كانوا معلمين، ومَن يسير على خطاهم يحمل أشرف رسالة.
توقير العلماء والمعلمين
كان الصحابة والتابعون يوقّرون العلماء، ويجلسون لهم كما يُجلس للملوك. وكان الإمام مالك إذا جلس لدرس الحديث اغتسل وتطيّب ولبس أحسن ثيابه، تعظيمًا لحديث رسول الله ﷺ.
دور المعلم اليوم
المعلم اليوم ليس مجرد ناقل للمعلومة، بل هو صانع شخصية، وباني جيل، ومهندس للعقول.
إذا كان المعلم قويًا مخلصًا، كان الجيل قويًا. وإذا ضعف، ضعفت الأمة كلها.
سابعًا: التعليم في العصر الحديث – بين التحديات والفرص
التحديات
-
مناهج تقليدية لا تُشجع على الإبداع.
-
ضعف الاستثمار في البحث العلمي.
-
هجرة العقول إلى الخارج بسبب قلة التقدير.
الفرص
-
التكنولوجيا اليوم جعلت التعليم متاحًا للجميع عبر الإنترنت.
-
الجامعات العالمية تفتح أبوابها بدورات مجانية.
-
التعليم الرقمي يمكن أن يكون وسيلة نهضة إذا استُثمر بشكل صحيح.
ثامنًا: التعليم ونهضة الأمة الإسلامية
التعليم أساس الريادة
الأمة الإسلامية لا يمكن أن تستعيد موقعها الريادي إلا إذا أعادت للعلم مكانته. القرآن بدأ بالعلم، والنبي ﷺ دعا إليه، والعلماء رفعوا رايته، فهل نُهمله اليوم؟
مسؤولية جماعية
-
الأسرة مسؤولة عن غرس حب العلم.
-
المدرسة مسؤولة عن تحفيز الإبداع.
-
الجامعة مسؤولة عن البحث والتطوير.
-
الدولة مسؤولة عن الاستثمار في التعليم كأولوية وطنية.
خاتمة: أمة اقرأ لا بد أن تقرأ
إن التعليم في الإسلام عبادة ومسؤولية ونهضة.
فمن أراد أن يرى أمة الإسلام في موقع الريادة، فليبدأ من إحياء روح العلم، وتعظيم شأن المعلم، وتشجيع المتعلم.
لقد ابتدأ القرآن بالعلم، وأكّد النبي ﷺ على طلبه، وسار الصحابة والتابعون به، فكيف نغفل عنه اليوم؟
إنها دعوة صريحة: عودوا إلى "اقرأ"، تعود لكم الريادة.
